Sunday, December 12, 2021

آلام فرتر


هذه الرواية لن يستمتع بها إلا الرومانسيين والمعذبين في الحب أو ذوي نزعة تعذيب النفس، أما بالنسبة لي فقد وضعتني أمام معضلة تحديد مشاعري من رواية ممتازة الحبكة والسرد لكن شخصيتها الرئيسية الساردة للرواية -كلها تقريباً- مستفزة وتستنزف الصبر، فهي درامية متمركزة حول ذاتها مبالغة في كل عواطفها وانفعالاتها ومنكرة للمنطق والعقل.

قد تكون شخصية فرتر أكثر شخصية تستفزني في عمل روائي حتى الآن ولم أتمكن من التعاطف معها، ولقد حاولت. فرتر شخصية رومانسية، أنانية، نرجسية، تراجيدية، مراهقة، متبطلة، منفصلة عن الواقع، تبالغ في كل شيء (دراما كوين)، باختصار شخصية غير ناضجة عاطفياً واجتماعياً. فتخيل أيها القارئ أن تنغمس في قراءة عمل كامل -تقريباً- على لسان شخصية مثل فرتر الذي يرى نفسه الكائن البشري الوحيد الذي يشعر ويحسّ، وكل ما عداه سطحي وممل وجامد. السرد في ثلاث أرباع العمل كان بلسان فرتر معتمداً على رسائله وقصاصاته التي تركها، وفي الربع الأخير يتولّى السارد زمام القصة ليحدثنا عن أيام فرتر الأخيرة، وحين وصلته شعرت وكأنني أخرجت رأسي خارج سطح الماء العكر الذي كنت غاطسة فيه لأتنفس بعض الهواء المنعش. حتى أنصف شخصية فرتر لابدّ أن أذكر أنه فنان حسّاس، ومثل كل الرومانسيين متأمل للطبيعة ومحب للأطفال والفلاحين البسطاء، كما أنه مثقف متذوق للشعر والجمال والفلسفة (لقد كان يستمتع بقراءة هوميروس في وسط الطبيعة الغناء!)، يكتب أفكاره بعاطفته وقلبه وفي مواضع عدة استمتعت بانسيابية قلمه، لكنه في كل موضع يحمّل الأشياء فوق طاقتها ويراها بغير عين الواقع ويرى الكون كله متمركزاً حوله ومتحاملاً عليه في الآن نفسه. 


بجانب فرتر هناك شخصية شارلوت؛ وهي معبودته وآلهته المقدسة، لو نفضت عنها النثار اللامع الذي يسبغه عليها تدلّه فرتر ستجدها شخصية عادية لفتاة اجتماعية جميلة في مقتبل العمر تعتني بأخوتها الصغار وتتزوج بشكل تقليدي، لا شيء مميز فيها سوى جمالها، حتى أنك لن تستطيع تبيّن إلا لمحة عن مشاعرها في الربع الأخير من الرواية. وأيضاً هناك ألبير خطيب شارلوت وزوجها فيما بعد، وشخصيته نقيض فرتر، فهو شاب ناضج، عقلاني، متزن، كريم النفس، يعمل! في الحوار الوحيد الذي أورده فرتر وهو الذي جرى بينهما عندما كان يعاين سلاح ألبير ثم وضعه على رأسه بشكل مفاجئ (محاكياً الانتحار) تتجلى رزانة ألبير ومنطقيته مقابل اندفاعية فرتر وصبيانته الذيجاب العيدفي طريقة دفاعه عن الانتحار، ولا أظن أن أي قارئ ستفوته ملاحظة هذا التفاوت في مستوى التفكير بينهما رغم أن السرد من وجهة نظر فرتر العاطفية المتحيزة. أعتقد أن ألبير لم ينظر إلى فرتر نظرة الندّ أو المنافس على قلب شارلوت في أي مرحلة من مراحل علاقتهم، ولن تستشعر أنه شعر بأي تهديد من فرتر، حتى في النهاية عندما طلب من شارلوت أن تخبر فرتر بالتقليل من زياراته فقد كان ذلك لحفظ الصورة الاجتماعية ورفقاً بحال فرتر الأعمى عن حاله، كما أن شارلوت لم تقع في حيرة الاختيار بين ألبير وفرتر، بل تزوجت ألبير وقد كانت تحبه حقاً. لذلك فمن يرى هذه العلاقة الثلاثية من خارج منظور فرتر فهي لا تعدو كونها علاقة بين شاب وفتاة متحابين مخطوبين راضيين عن بعضهما، والثالث مجرد مراهق يحب الفتاة من طرف واحد ويعيش بداخل عالمه الخاص يأنّ ويشتكي لوعات الحب في رسائله لصديقه. 


عندما أتخيل فرتر، أراه في هيئة مراهق حالم لم يتجاوز التاسعة عشر يحب فتاة لأول مرة، ورومانسيته الطافحة تحمّل علاقة الحب حملاً ثقيلاً من التفرغ الكامل روحاً وعقلاً وحالاً. في رسائله الأولية وضّح الطريقة المثالية للحب التي يؤمن بها، فالشاب الذي يتيّم بحب فتاة عليهأن ينفق عليها حديث ساعاته ويقصر عليها ملكاته وممتلكاته ليدلها على أنه وهبها فؤاده وملكها قيادة، يعني باختصار ألّا يفعل أي شيء آخر سوى أن يكون ملكها وهي ملكه بالكامل، لا عمل لا حياة لا ناس، لا لا فقط حب وغرام ٢٤ ساعة. في جلسة العشاء البسيطة تلك، عندما جلس إلى الطاولة -مع فرتر وشارلوت وجماعتهما- ذلك الشاب الهادئ الرزين، الذي كان بالنسبة لفرتر "ذو نفس منقبضة، ماذا فعل فرتر وسط الجلسة الهادئة تلك؟ توجه بكلامه لائماًذوي النفس المنقبضةمتهماً إياهم بأنهم سبب لوعة وشقاء محبوباتهم وربما فناءهن! ثم انهالت مشاعره ولم يمسك دموعه وراح ينتحب في وسط العشاء.. طيب لماذا؟ لأنه كيف لهذا الشاب أن يجلس ويتعشى بهدوء؟ كيف له ألاّ يكون واقعاً عند ركبتي محبوبته يمطرها بكلمات الوله والغرام طوال الوقت؟ آه يا لقسوته..

فرتر، مثل أي شخصية غير ناضجة وغير مسؤولة، لا يرى طائلاً من العمل الرصين والوظيفة، عندما استلم وظيفة ممتازة ككاتب عند السفير راح يذمّ عمله ورب عمله منذ أيامه الأولى. كان يأخذ عليه أنه يطلب منه مراجعة وتنقيح ما يكتب، وهو طلب معقول وعادي، لكن فرتر يريد أن يكتب بدون قواعد ويقدم عمله بدون مراجعة كذلك، ثم يقول: ”إن العمل مع هذا الرجل لحمى الروح وأذى القلب، بل هو العمل معك عزيزي فرتر! وبالتأكيد يترك وظيفته بعد شهور قليلة من استلامها. بعدها أقام لمدة عند كونت نبيل صادقه وآثره وعرض عليه الإقامة في قصره، وكان يعامله معاملة النظير كما يقول فرتر نفسه، لكن هل يقنع ويرضى عن حاله؟ لا لا يمكن، سرعان ما أصابه السأم وبدأ يذمّ في مضيفه وصديقه: ”أجل إنه رجل ذكي، ولكن ذكاءه عادي، فلا يمتعني حديثه أكثر مما يمتعني كتاب محكم الوضع.“ يا نذالتك يا أخي! ولأنه فرتر، المندفع العاطفي الذي لا يعرف السيطرة على نفسه، يعود للمدينة التي تسكن فيها شارلوت مع زوجها، ويلتصق بهم التصاقاً مرضياً ساماً لنفسه ولهم، ثم ينهي حياته بتلك الطريقة التراجيدية لأنه لا يستطيع قبول رفض شارلوت له. 


هذه الرواية ليست قصة حب حزينة، لأن قصة الحب تستلزم طرفين، هذه الرواية هي قصة حب فرتر لنفسه، فهو لم يكن يرى شيئاً يستحق التقدير والحب خارج ذاته، أما شارلوت فقد كانت مجردقالبفرّغ فيه فرتر عواطفه الطافحة، وكان يمكن أن تستبدل بأي فتاة أخرى صعبة المنال. عندما كتب رسالته الأخيرة لشارلوت، حرص أن يوثّق فيها يومه الأخير ومشاعره كلها، وحرص أن ينتحر يوم عيد الميلاد تحديداً، حتى بعد أن عرف أن إخوة شارلوت الصغار ينتظرون هذا اليوم بفارغ الصبر وأنهم جهزوا له هدية، كان يريد أن ينهي حياته بطريقة تصدم كل من يعرفه، طريقة يقول فيهاانتبهوا إليّ، طريقة أنانية بكل تفاصيلها. من المحزن أن هذه الرواية أحدثت موجة من الانتحارات في أوروبا عندما نشرت، ولابدّ أن كل معذب في الحب سيجد فيها ضالته ومسوّغه الرومانسي لإنهاء حياته حسب منطق فرتر وقناعاته العاطفية المتطرفة. 

جوته كتب هذه الرواية وكان عمره ٢٤ عاماً واستغرقته ٤ أسابيع فقط، وكان قد عاش هذه القصة شخصياً (ما عدا النهاية بالطبع)، لذلك كانت المشاعر شابة وطازجة ومندفعة. ترجمة أحمد حسن الزيات كانت رائعة ولها جرس جميل، قد تكون لغته متكلفة بالنسبة للقارئ في القرن ٢١ لكنها في نظري مناسبة جداً لثيم العمل الرومانسي الكلاسيكي. 


آلام فرتر

هذه الرواية لن يستمتع بها إلا الرومانسيين والمعذبين في الحب أو ذوي نزعة تعذيب النفس، أما بالنسبة لي فقد وضعتني أمام معض...